بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين, وعلى آله الطيبين الطاهرين , وصحبه البررة الأكرمين, أما بعد: فهذه سلسلة مباركة سميتها: فاكهة المجالس وتحفة المؤانس , أعرض فيها ما انتقيته واخترته لكم من فوائد ونكت علمية , وطرائف وأخبار أديية , اقتطفتها من بطون الكتب والتواريخ والطبقات والتراجم ,وسأعلق على بعضها بما فتح الله تعالى علي من زيادة تعريفات , وتوضيح مبهمات , وتفسير مجملات , وذكر طبعات الكتب المصنفات, لتكمل الفائدة والاستفادة, وستكون تعليقاتي باللون الأزرق, مفتتحة بقولي: قلت , والله تعالى المسؤول أن يحلها في قلوبكم وأنظاركم محل القبول والرضى , وأن يعينني على إكمالها وإتمامها , وأن يبارك فيها وينميها , وينفع بها كثيرا من عباده المؤمنين, آمين / كتبه أبو يعلى البيضاوي المغربي غفر الله ولوالديه

الأحد، 12 مايو 2013

229- "لامية العرب" و"لامية العجم"

[ قال الصفدي ]: أما هذه القصيدة اللامية فإنما سميت "لامية العجم" تشبيها بـ: "لامية العرب", لأنها تضاهيها في حكمها وأمثالها. و"لامية العرب" هي التي قالها "الشنفرى" وأولها:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم *** فإني إلى قوم سواكم لأميل

وقد روي عن أمير المؤمنين "عمر بن لخطاب" رضي الله عنه أنه قال: "علموا أولاد كم لامية العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق", ورأيت لها "شرحا" حسنا, تام المقاصد, كثير الفوائد, وهو مجلد جيد, وحسبك أن الناس قالوا في هذه القصيدة إنهـا: "لامية العجم", في نظير تلك, بمعنى إِنْ كان للعرب قصيدة لامية مشهورة بالأدب والأمثال والحكـم فإن للعجم لامية مثلها تناظرها
وإضافة الشيء إلى شيء مشهور أو عظـيم يدل على شرف المضاف, ألا ترى قوله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته} أشرف لهم من قوله: والملائكة, لإضافتهم إليه
وزعم بعضهم أن بعض الشعراء غَيَّرَ قوافي هذه القصيدة من اللام إلى العين، وهذا عندي يتعذر, لأن ألفاظ هذه القصيدة في غاية الفصاحة, وتراكيب كلماتها كلها منسجمة عذبة, غير قلقة ولا نافرة, ومعانيها بليغة غير ركيكة, وقوافيها قي غاية التمكن, فهي كما قال "ابن عنين":

معنى بليغٌ وألفاظٌ مُنَقَّحَةٌ *** غريىةٌ وقوافٍ كلها نُخَبُ

المصدر: [ الغيث المنسجم شرح لامية العجم 1 / 27 ]
قلت –رحم الله والدي-:
قصيدة "لامية العرب" لها عدة شـروح منها:
1- "لمحمد بن يزيد المبرّد"(ت 285هـ)، طبع
2- و"لأبي العباس أحمد بن يحيى الشيباني" المشهور بـ: "ثعلـب"(ت 291هـ)
3- و"لابن دريـد"(ت 321هـ)
4- و"ليحيى بن علي التبريزي"(ت 502هـ)، طبع
5- و"لجار الله الزمخْشري"(ت 538هـ), سماه: «أعجب العجب في شرح لامية العرب»، طبع
6- و"لعبد الله بن الحسين العُكبَري"(ت 616هـ)، طبع
7- و"ليحيى بن حميدة بن ظافر الغساني الحلبي" الشهير بـ: "ابن أبي طيّ"(ت 630 هـ), سماه: "المنتخب في شرح لامية العرب"، مخطوط منه نسخة في الأسكوريال ، رقمها 314
8- و"لمحمد بن الحسن ابن ايلجك التركي" شرحه سنة 698هـ/ مخطوط بخط المؤلف في أيا صوفيا استانبول رقمها 3145
9- و"لمؤيد بن عبد اللطيف النخجواني" شرحه سنة 983هـ/ مخطوط في ليدن رقم: 2758/3
10- و"لأبي جمعة سعيد بن مسعود الماغوسي الصنهاجي المراكشي"(ت بعد 1016 هـ), سماه: "إتحاف ذوى الأرب بمقاصد لامية العرب", طبع بالمغرب في مجلد
11- و"لأبي الإخلاص جاد الله الغنيمي الفيومي الشافعيّ", سماه: "عنوان الأدب، بشرح لامية العرب", وضعه سنة 1101هـ / مخطوط في دار الكتب المصرية القاهرة رقم: أدب 195.
12- و"لأبي عبد الله محمد بن القاسم بن زاكور الفاسى المالكى"(ت 1121هـ), سماه: "تفريج الكُرب عن قلوب أهل الأدب في معرفة لامية العرب"، طبع
13- و"لأبي البركات عبد الله بن الحسين السويدي" البغدادي الشافعي(ت 1174 هـ), سماه: "رشف الضرب في شرح لامية العرب", ذكره صاحب"هدية العارفين"(1 / 483)
14- ولولده "زين الدين أبي الخير عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين السويدي"(ت 1200هـ), سماه: "سكب الأدب على لامية العرب", ذكره صاحب"هدية العارفين"(1 / 483)
15- و"لعطاء الله بن أحمد المصري الأزهري"(ت بعد 1188هـ), سماه: "نهاية الأرب في شرح لامية العرب", طبع
16- و"لسليمان بن عبد الله بن شاوي الحميري البغدادي" (ت 1209 هـ), سماه: "سكب الأدب على لامية العرب", مجلد مخطوط في خزانة الأوقاف ببغداد (الرقم: أدب 405) كتاب من تأليفه سنة 1178 عليه تقاريظ لعلماء عصره ذكره "الزركلي في أعلامه" (3 / 129)
17- و"لأحمد بن محمد بن إِسماعيل المعافى الضحوي التهامي"(ت نحو 1280 هـ), ذكره "الزركلي في أعلامه" (1 / 246)
18- و"للحسن بن أحمد بن عبد الله اليمني " المعروف بـ: "عاكش"(ت 1289 هـ, وقد رد عليه في مواضع منه العلامة "محمد محمود ولد التلاميد الشنقيطي" بكتاب: "إحقاق الحق وتبرئة العرب مما أحدثه عاكش اليمني في لامية العرب", وكتاب الشنقيطي مطبوع
19- و "لمحمد بابا الصحراوي الشنقيطي"(ت 1342هـ), مخطوط بخطه
20- و"لأبي حامد محمد المكيّ بن محمد الشرشالي البطاورى الرباطي"(ت 1355 هـ), سماه: "هامية الطرب في شرح لامية العرب", ذكره "الزركلي في أعلامه"(7 / 110
21- و"لحكمة بن محمّد شريف الطرابلسي" ذكره "الزركلي في أعلامه" [2 / 268]

- وأما "لامية العجم" فلها شروح كثيرة, منها:
1- "لأبي البقاء العكبري", طبع في مجلة الجامعة اﻹسﻼمية ، المجلد العاشر، العدد اﻷول ،ص195 – ص2002، 244
2- و"لعلي بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن فرحون" التونسي المدني (ت 746 هـ) , سماه: "نزهة النظر ونخبة الفكر في شرح لامية العجم", ذكره في "معجم المؤلفين"(7 / 227)
3- و"ليوسف المالكي", ألفه حوالي سنة 750هـ
4- وللعلامة "صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي"(ت 764هـ), سماه: "الغيث المنسجم في شرح ﻻمية العجم"، طبع في دار الكتب العلمية في مجلدين دون تحقيق, وقد اختصره عدد من العلماء ، منهم :
أ- "محمد بن عباس البدراني"/ مخطوط في برلين 6044 ،3123.
ب- "كمال الدين محمد بن موسى الدميري"(ت 808هـ) ، طبع في دار المنهاج جدة
ج- "عبده بني باباد" / مخطوط في مكتبة جوتا 2249 .
د- "محمد بن الخليل الكازروني"/ مخطوط المكتب الهنـدي 801 رقم 3 .
هـ- "جلال الدين محمد بن أحمد المصري المحلي"(ت864هـ) / مخطـوط في مدريد 1 :224.
و- "محمد بن حسن بن صالح العاملي الكوثراني", كان حيا 1230 هـ, فرغ منه في صفر سنة 1230 هـ, ذكره في "معجم المؤلفين"(9 / 194)
ز- و"لعبد الرحيم بن عبد الرحمن العبادي العباسي"(ت 963هــ), "حاشية على الغيث المنسجم), ذكره في"هدية العارفين"(1 / 563)
ح- و"لبدر الدين محمد بن أبي بكر الـدماميني"(ت 827هــ) : "نزول الغيث على الغيث" في نقد شرح "الصفدي"/ مخطوط في ليدن 658-657 وباريس 3124 واﻹسكوريال ثان 560، 1 ، 325 ، ونقد هذا الشرح "نور الدين علي بن محمد اﻷقبرسي" (ت 862هــ), سماه: "تحكيم العقول بأفول البدر بالنزول" / مخطوط له في باريس 3125 .
وهناك مختصرات أخرى لمجاهيل

5- و"لتقى الدين أبي بكر على بن عبد الله الحموي" الحنفي الشهير بـ: "ابن حِجة" (ت 837 هـ), سماه: "بروق الغيث الذى انسجم في شرح لامية العجم", ذكره في"هدية العارفين"(1 / 731)
6- و"ﻷبي الفتح بهاء الدين محمد بن أحمد اﻷبشيهي المحلي"(ت 852هـ)/ مخطوط في برلين 7666 .
7-و"ﻷبي يحيى زكريا بن محمـد اﻷنصـاري السـنيكي"(ت 926هـ)/ مخطوط في الجزائر 1855 .
8- و"لمحمد بن عمر بن مبارك الحميري الحضرمي" الشهير بـ: "بحرق"(ت 930هـ), سماه: "نثر العلم في شرح لامية العجم" / مخطوط في برلين 7669-7668 والقـاهرة أول : 595 ولدى مصورة عنها .
9-و"لجلال بن خضر الحنفي" سماه: "نبذ العجم على ﻻمية العجم" ألفه سنة (966هـ)،/ مخطوط في أستانبول : أوبساﻻ 137 والمتحف البريطاني ثان 1057 .
10- و"لعلي بن قاسم الزيتوني، الرومي، الحنفي (ت 979هـ), سماه: "حل المبهم والمعجم في شرح لامية العجم, ذكره في "معجم المؤلفين"(4 / 168)
11- و"لشيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروسي، اليمني،(ت 990هـ), سماه: "نفحات الحكم على لامية العجم"، ذكره في "معجم المؤلفين"(4 / 312)
12- و"ﻷبي جمعة سعيد بن مسعود الصنهاجي المراكشـي"(ت بعد 1016هـ), سماه: "إيضاح المبهم من ﻻمية العجم"/ مخطوط في الرباط 376 د
13- و"لعبد اللطيف بن عبد الرحمن النزيلي اليمني"/ مخطوط بخط المؤلف في سنة (1018هـ) في أيا صوفيا 4111 .
14- و"لمحمد على بن أبى طالب أبو المعالى الجيلاني الشيعي"(ت1084هـ), ذكره في"هدية العارفين" (2 / 294)
15-و"لعلى بن القاسم بن علي الطبري الأسترابادى ", وسماه: "حل المبهم والمعجم في شرح لامية العجم", ذكره في "هدية العارفين"(1 / 713) / مخطوط فـي القاهرة ثان 88:2 وجامعة برسﻼو .
16- و"لرفاعة بن بدوي الطهطاوي المصري الحسيني"(ت 1290 هـ), ذكره في "معجم المؤلفين"(4 / 168)
17- و"لعبد الرحمن الشافعي الحلبي العلواني" الطبيب, سماه: "الغيث المنسجم", طبـع علـى هامش كتاب: "نفحة اﻷزهار" لعبد الغني النابلسي في بوﻻق 1299هـ .
18- و"لعبد الرحمن الحلواني" سماه: "قطر الغيث"/ مخطوط لهذا الشرح في برلين Oct . 2 رقم1843
19- و"لزين العابدين بن محي الدين بن ولي الدين اﻷنصاري السنيكي"(ت 1068هـ) .
20- و"لحسين بن رستم الكفوى" ثم الرومي الحنفي (ت 1010هـ), ذكره في "هدية العارفين"(1 / 321) / مخطوط لهذا الشـرح فـي. 2 ، 121 رقم 31 ؛ 44 رقم 49 الموصل
21- و"لعبد القادر بن محمد الفيومى" المصرى الشافعي(ت 1022هـ) سماه: " قطر الغيث المسجم في شرح لامية العجم", ذكره في "هدية العارفين"(1 / 600)
22- و"لمحمد علي أفندي المنياوي"(ت 1335هـ), سماه: "تحفة الرائي لﻼمية الطغرائي"، طبع في مطبعة بوﻻق سنة 1311هـ .
23- و"لسيد بن علي المرصفي" الازهري (ت 1350 هـ), سماه: "الدر الذي انسجم على لامية العجم"، ذكره في "معجم المؤلفين"(4 / 287)
24- و"لأبي حامد محمد المكيّ بن محمد الشرشالي البطاورى الرباطي"(ت 1355هـ), مخطوط في الرباط رقم: 3128 كت, ذكره "الزركلي في أعلامه"(7 / 110)
25- شرح "لمجهول" / مخطوط في برلين 7671 .
26- و"لعبد الوهاب بن صدقة بن عبد ربه الحجازي", سماه: "مﻼك الشيم بحل معاني ﻻمية العجم"/ مخطوط بدار الكتب المصرية

فائدة: ذكر في "كشف الظنون"[2 / 1539]: "لامية الروم" لمحمد بن محمد بن محمد بن محمد، المعروف: بابن الحكيم الحلبي, أولها: حتَّام أنظم من دمعي ومن غزلي *** أدلة وحبيب القلب معتزلي .اهـ 

وهناك "لامية الهند" نظم القاضي ركن الدين عبدالمقتدر بن محمود الشريحي الكندي الدهلوي/ ت 791هـ, أولها:
يا سائق الظعن في الأسحار والأصلِ *** سلم على دار سلمى وابك ثم سلِ

228- الشغف بالكيمياء

كان "شمس الدين شيخ الربوة" العروف بـ: "ابن أبي طالب" يقول: زعم بعضهم أن "المقامات" و"كليلة ودمنة" رموز في الكيمياء, سمعته يقول ذلك غير ما مرة, ويزعمون أيضا أن الصناعة مرموزة في صورة البرابي، وكل ذلك من شغفهم وكَلَفِهم بِحَلِّهَا, نسأل الله السلامة
ووجدت بعض من جرب وتعب فأقلقه الوجد, وظن أن جدها لعب قد كتب على بعض مصنفات "جابر بن حيان" تلميذ "جعفر الصادق":

هذا الذي بمَقَالِه *** غَرَّ الأوائل والأواخر
ما أنتَ إلا كَاسِرٌ *** كذب الذي سَمَّاك جابر

وبعض الناس يُنْكِرُ وُجُودَ "حابر" هذا, وهو مُحَال, لأن له تصانيف كثيرة, وهي مشـهورةٌ بين القوم.

المصدر: [ الغيث المنسجم شرح لامية العجم 1 / 24 ]

227- الرافضة وتحريف القرآن

[ قال الإمام الرسعني رحمه الله ]: لقد احتدت شوكة الرافضة في زماننا بالموصل واشتدت شَكِيمَتهم، وظنوا أن الوثب تهزهم، ولات حين ما يطلبون، وأنّى وكلمة الله هي العليا، والله مظهر دينه، وناصر من نصره، وخاذل من خذله، وطمعوا اعتزازاً منهم وجهلاً بما كتبه الله تعالى على نفسه من حفظ كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن يحرفوا مواضع من القرآن ويُنزِلُوها على وِفْق أهوائهم؛ فقرأ قارئ منهم في محفل من محافلهم آيات من سور شتى, انتخبتها طواغيتهم، ولفقوها تلفيقاً متناقضاً، ونظموها نظماً تشهد رصانة القرآن وفصاحته بتهافتها وافترائها، وأنا أستحيي من حكايتها، وأستغفر الله تعالى من جريان قلمي بكتابتها، فقرأ آيات كثيرة منها: "إنما وليكم الله ورسوله وعلي الذين يقيمون الصلاة"
وقرأ: "أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كعلي آمن بالله" وفساد هذا في العربية أكثر وأظهر من أن يذكر
وقرأ: "إن الله وملائكته يَصِلونَ علياً بالنبي"
وقرأ: "فأما عليٌ فأعطى واتقى وصدق بالحسنى"، وزاد آية في كتاب الله فقرأ في سورة الشعراء عند قوله: { وإنه لفي زبر الأولين } : "وإن علياً وشيعته لهم الفائزون"، في آيات كثيرة اقترؤوها ثم افتروها.
فلما شاع ذلك وذاع، وحدثني به رجل صالح من فضلاء القُرَّاء ممن حضر وسَمِع، لَزِمَتني حُجَّةُ الله الذي اتخذها على الذين أوتوا الكتاب ليبيّننه للناس ولا يكتمونه، وطوّقت القول في ذلك طوق الحمامة، فرفعتُ حديثَه إلى والي الأمر بالموصل، فنَفَى ذلك القارئ من البلاد، وأراح منه العباد.
ومن أعجب ما بلغني عن بعض عظمائهم أنه قال: إنما أنكروا ذلك لكونه في فضائل علي عليه السلام، فقلت: لو أن شخصاً استحل الزيادة في كتاب الله أو التحريف فيه بتوحيد الله وتمجيده والثناء عليه، مضيفاً ذلك إلى القرآن، معتقداً نزوله فيه، كان كافراً بإجماع أهل العلم، ولكن هذا دأبهم وديدنهم عند إنكار أهل الحق عليهم ما يختلقونه في المناقب والمثالب، ونحن بحمد الله تعالى بفضائل أمير المؤمنين علي وآله أدرى، وبمحبته وولايته أولى وأحرى

المصدر: [ رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز 3 / 586 ]
قلت - رحم الله والدي-: 
جزى الله خير الجزاء هذا الإمام الفاضل الناصح لدينه على ما قام به من واجب العلم والعمل به في هذه الواقعة النازلة في زمنه, ولقد ازداد شر "الرافضة" أخزاهم الله بعد ذلك كثيرا, واستطار شررهم, وخلغوا برقع الحياء وجلباب التقية, وصرحوا بما كانوا يُبطِنون ويُسِرُّون في مجالسهم وخاصتهم, ففي ظل "دولة إيران" الصفوية الرافضية المجوسية ألف "الميرزا النوري الطبرسي" [ت1320 هـ] -لا نور الله قبره- كتابه المشؤوم الموسوم بـ: فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الارباب, وموضوعه ظاهر من عنوانه, وقد كان الرافضة يتسترون على طبعته الأولى, ويستحيون من ذكره حتى هتك الله سترهم بظهوره ونشره, لتقوم الحجة على خيانتهم وتآمرهم على دين الله وكتابه / رابط تحميل الكتابمع دراسة ونقد , فاللهم يسر لهذه الأمة أمر عز وطاعة يذل فيه أهل البدعة والضلالة, آمين

226- رؤيا إمام

قال الحافظ "أبو سعد السمعاني": أنا أبو القاسم حيدر بن محمود الشيرازي بمرو، قال:
سمعت الشيخ "أبا إسحاق [الشيرازي]"، قال: كنت نائمًا ببغداد، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه "أبو بكر" و"عمر"، فقلت: يا رسول الله، بَلَغَنِي عنك أحاديثَ كثيرة عن ناقلي الأخبار، فأريد أن أَسْمَعَ منك خبرًا أَشْرُفُ به في الدنيا، وأجعله ذُخْرَةً للآخرة، فقال: يا شيخ، وسماني "شيخا"، وخاطبني به، وكان يفرح بهذا, ثم قال: قُلْ عني: "من أراد السَّلامةَ فليطلبها في سَلامةِ غيره"
[ قال ابن كثير ]: وهذا المنام عليه لوائح الصدق، فإن الفقهاء لهجوا بتسمية "الشيخ أبي إسحاق"، ولما رواه في المنام شاهد في الصحيح، وهو قوله عليه السلام: « المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده »، أي: من أراد أن يسلم، فليسلم الناس منه، فإن الجزاء من جنس العمل.

المصدر: [ طبقات الشافعيين ص: 462 ]

225- ملكنا وملكتم فانظر للتفاوت بيننا

حدث "نصر الله بن مجلى" قال: رأيت في المنام "علي بن أبي طالب" رضي الله عنه, فقلت له: يا أمير المؤمنين, تفتحون مكة فتقولون:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" ثم يَتِمُّ على ولَدِك "الحسين" يوم الطفّ ما تم؟ , فقال: أما سمعت أبيات "ابن الصيفي" في هذا؟ , فقلت: لا، فقال: اسمعها منه, فلما استيقظت بادرت إلى دار "الحيص البيص"، فخرج إليّ, فذكرت له الرؤيا, فأجهَشَ بالبكاء, وحلف بالله أنه ما سمعه منه أحد, وأنه نظمها في ليلته هذه، ثم أنشدني :

مَلَكْنَا فكان العفوُ منا سجيةً ... فلما مَلَكْتُمْ سَالَ بالدَّمِ أَبْطَحُ
وحلّلتم قتل الأسارى وطالما ... غَدَونا عن الأسرى نَعْفُّ ونَصْفَحُ
فحسبكم هذا التفاوتُ بيننا ... وكُلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضَحُ

المصدر: [ معجم الأدباء 3 / 1355]
قلت - رحم الله والدي-: 
"ابن الصيفي" هو "الحيص بيص": الشاعر المشهور، الأمير شهاب الدين، أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن صيفي التميمي، الأديب، الفقيه، الشافعي/ت574, ترجم له: ياقوت في إرشاد الاريب 4 /233، وابن الجوزي في المنتظم 10 /288، وابن خلكان في الوفيات 2 /362، والذهبي في سير الأعلام 21 /61, والسبكي في الطبقات الكبرى 7 /91

224- اعتذار مقنع

سأل رجلٌ "أبا عمرو بن العلاء" حاجةً فوعَدَهُ بِها، ثم إن الحاجةَ تَعَذَّرَتْ على "أبي عمرو"، فلَقِيَهُ الرجلُ بعد ذلك، فقال له: وعدتني يا "أبا عمرو" وَعداً لم تُنْجِزْهُ, قال له "أبو عمرو": فمن أولى بالغمّ أنا أو أنت؟ , قال الرجل: أنا, قال "أبو عمرو": لا والله بل أنا, قال: وكيف ذلك أصلحك الله، وأنا المدفوع عن حاجتي؟ , فقال: لأني وعدتك، فأنت بفَرَحِ الوعدِ، وأنا بهَمِّ الإنجازِ، وبِتَّ ليلَتكَ فَرِحاً مَسرُورا، وبِتُّ ليلتي مُفَكِّراً مَهْمُوما، ثم عَاقَ القدرُ عن بلوغِ الإرادة، فلقيتني مُدِلاًّ، ولقيتك مُحْتَشِماً، فأنا أولى بالغَمِّ منك. قال: صدقت.

المصدر: [ معجم الأدباء 3 / 1321 ]

223- أشعار في القناعة

عن "النضر بن شميل" قال: دخلت على أمير المؤمنين "المأمون" بمرو, فقال: أَنْشِدْنِي أَقْنَعَ بيتٍ للعرب، فأنشدته قول "الحكم بن عبدل":


إني امرؤ لم أَزَلْ وذاك من الله ... أديبا أُعَلِّمُ الأَدَبَا
أقيمُ بالدار ما اطمأنت بي ... الدارُ وإن كنت نازعا طربا
لا أجتوي خلّةَ الصديقِ ولا ... أُتْبِعُ نفسي شيئا إذا ذهبا
أطلبُ ما يطلبُ الكريمُ من ... الرزقَ بنفسي وأجملُ الطلبا
وأَحلبُ الثرّة الصفيّ ولا ... أُجْهِدُ أخلافَ غيرها حَلَبَا
إني رأيتُ الفتى الكريم إذا ... رغّبته في صنيعة رَغِبَا
والعبد لا يُحسنُ العطاءَ ولا ... يُعطِيكَ شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمارِ المعقب السّوء لا ... يُحسِن مَشْياً إلا إذا ضُرِبَا
ولم أَجِدْ عِزَّةَ الخَلائِق إلا ... الدين لما اعتبرتُ والحَسَبَا
قد يُرْزَقُ الخافضُ المقيمُ وما ... شَدَّ لِعِيسٍ رَحْلاً ولا قَتَبَا
ويُحرَمُ الرزقُ ذُو المطيةِ والـ ... رَّحْلِ ومن لا يزال مُغْتَرِبا

المصدر: [ معجم الأدباء 3 / 1190]
قلت - رحم الله والدي-:
ولـ: "عروة بن أذينة", وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين, أبيات مشهورة في القناعة وعزة النفس, قال رحمه الله:

لقد علمت وما الإشرافُ من خُلُقِي ... أنّ الّذي هو رِزقي سوف يأتيني
أسعــى له فيُعَنِّينِي تَطَلُّبُـُه ... ولـو جلست أتاني لا يُعَنِّينِــي
وأيّ حــظّ امرئٍ لابدّ يبلغه ... يومــاً ولابدّ أن يحتازه دوني
لا خير في طمع يهدي إلى طبعٍ ... وعُلْقَةٌ من قليلِ العيشِ تَكْفِينِي
لا أركبُ الأمرَ تُزْرِي بِي عَوَاقِبُه ... ولا يُعَابُ به عِرضي ولا ديني
أقومُ بالأمر إمّا كان من أَرَبِي ... وأُكْثِرُ الصمتَ فيما ليس يعنيني
كم من فقير غَنِيِّ النّفسِ تعرفه ... ومن غنيّ فقيرِ النّفسِ مِسكين
وكم عدوّ رماني لو قَصَدْتُ له ... لم يأخذ البعض منّي حين يرميني
وكم أخ لي طوى كشحاً فقلت له ... إنّ انطواءك عنّي سوف يطويني
لا أبتغي وَصْلَ من يَبْغِي مُفَارَقَتي ... ولا أَلِينُ لمن لا يَبْتَغِي لِينِي

قال "ابن خلكان" في "وفيات الأعيان"[2 / 395]: كان "عروة" المذكور كثير القناعة، وله في ذلك أشعار سائرة, وكان قد وفد من الحجاز على "هشام بن عبد الملك" بالشام في جماعة من الشعراء، فلما دخلوا عليه عرف "عروة"، فقال له: ألست القائل:

لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنيني تطلبهُ ... ولو قعدت أتاني لا يُعنيني

وما أراك فعلت كما قلت، فإنك أتيت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق، فقال: لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت في الوعظ، وأَذْكَرت ما أنسانيه الدهر، وخرج من فوره إلى راحلته فركبها, وتوجه راجعاً إلى الحجاز، فمكث "هشام" يومه غافلاً عنه، فلما كان في الليل استيقظ من منامه وذكره، وقال: هذا رجل من قريش, قال حكمة, ووفد إلي فجبهته, ورددته عن حاجته، وهو مع هذا شاعر لا آمن لسانه، فلما أصبح سأل عنه، فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم ليعلمن أن الرزق سيأتيه، ثم دعا بمولى له, وأعطاه ألفي دينار، وقال: الحق بهذه "عروة بن أذينة" فأعطه إياها، قال: فلم أدركه إلا وقد دخل بيته، فقرعت عليه الباب، فخرج فأعطيته المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام, وقل له: كيف رأيت قولي, سَعيتُ فأكْدَيْتُ، ورجعت إلى بيتي فأتاني فيه الرزق.
ولبعض المعاصرين وهو "محمد بن إدريس" المعروف بـ: "مرج كحل" الأندلسي [ت634ه] في معنى هذين البيتين، وأحسن فيه:

مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعاً ... فإذا وليت عنه تبعك

222- عِزَّة القَنُوع

[ قال السمعاني في "المذيل" ] : سمعت أبا الفتح مسعود بن محمد بن أحمد أبي نصر الخطيب بمرو يقول، سمعت أبا عمر النسوي يعرف بابن ليلى يقول: 
كنت في "جامع صور" عند "الخطيب"، فدخل عليه بعض "العَلَوِيَّة", وفي كمه دنانير, وقال "للخطيب" : فلان، وذكر بعض المحتشمين من أهل صور، يسلّم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مهماتك، فقال "الخطيب": لا حاجة لي فيه، وقَطَّبَ وجهَهُ، فقال "العلوي": فتصرفه إلى بعض أصحابك، قال قل له: يصرفه إلى من يريد، فقال "العلوي": كأنك تَسْتَقِلُّهُ ونَفَضَ كُمَّهُ على سَجادةِ "الخطيب", وطرح الدنانير عليها, وقال: هذه ثلاثمائة دينار، فقام "الخطيب" مُحْمَرَّ الوَجْهِ وأخذ السجادة, ونفض الدنانير على الأرض, وخرج من المسجد
قال "الفضل ابن ليلى": ما أنسى عِزَّ خروجِ "الخطيبِ", وذُلَّ ذلك "العلوي" وهو قاعد على الأرض يلتقط الدنانير من شُقُوقِ الحَصُرِ ويجمَعُهَا.

المصدر: [معجم الأدباء 1/ 391]
قلت - رحم الله والدي-:
الخطيب :هو الإمام الأوحد، العلامة المفتي، الحافظ الناقد، محدث الوقت، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، صاحب التصانيف، وخاتمة الحفاظ, ترجمته في "سير أعلام النبلاء "[18 / 270]

221- ماء الحياة وماء المُحيا

الحسين بن عبد السلام أبو عبد الله المصري المعروف بالجمل الشاعر المشهور, [ت 258 هـ], من شعره:

إذا أَظْمَأَتْكَ أَكُفُّ اللِّئَامِ ... كَفَتْكَ القَنَاعَةُ شِبَعاً ورِيّاً
فَكُنْ رَجُلاً رِجلُه في الثَرَى ... وهَامَةُ هِمَّتِهِ في الثُّرَيَّا
أبيا لنائِل ذِي ثَروةٍ ... تَرَاهُ بما في يديه أَبِيًّا
فإنَّ إِرَاقَةَ ماءِ الحياةِ ... دونَ إراقةِ ماءِ المُحَيَّا

المصدر: [ معجم الأدباء 3 / 1131 ]

220- أبيات فيها

قَالَ "أَبُو نصر": سَمِعت "عبد الْكَرِيم الْقشيرِي" ينشد لنَفسِهِ:

إِذا شِئْت أَن تحيا حَيَاة هَنِيَّةً ... فَنَقِّ مِنَ الأطمَاعِ ثَوْبَكَ واقْنَعِ
وَإِن شِئْت عَيْشًا فِي دَوَامِ مَذَلَّةٍ ... فَعَلِّقْ بمَخْلُوقٍ فُؤَادَكَ واطْمَعِ

المصدر : [طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح 1/ 525]

219- أبيات في القناعة

صفي الدين أبو الفضائل عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد الله بن علي بن مسعود القطيعي الأصل، البغدادي، الفقيه، الإمام الفرضي المُتْقِن [ت739]

[ قال ابن رجب رحمه الله ]: أنشدني الإمام "صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق"، في كتابه لنفسه:

لا تَرْجُ غير اللهِ سبحانَه ... واقْطَعْ عُرَى الآمالِ من خلقِهِ
لا تَطلبَنَّ الفضلَ من غيره ... واضْنُنْ بماءِ الوجهِ واسْتَبْقِهِ
فالرزقُ مقسومٌ، وما لامرِئ ... سِوى الذي قُدِّرَ من رزقهِ
والفقرُ خيرٌ للفَتَى من غِنًّى ... يكونُ طولَ الدهرِ في رِقِّهِ

المصدر: [ذيل طبقات الحنابلة 5 / 83]

218- أبيات في صاحب

[قال الحافظ السلفي رحمه الله ]: أنشدني "أبو الفضل أحمد بن عبد الحق بن القاسم التميمي" "لابن الحداد الصقلي" في "أبي محمد بن الرماج" المقيم بالإسكندرية


تَرَحَّلَ عَنَّا صَاحِبٌ وَهُوَ عَاتِبٌ ... عَلَيْنَا فَزَادَ اللَّهُ مَا بَيْنَنَا بُعْدَا
فَفَارَقَ إخْوَانًا عَلَيْهِ أَعِزَّةً ... فَمَا شَقَّقُوا جَيْبًا وَلَا لَطَمُوا خَدًّا
فلوا أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ حَيٌّ سَأَلْتُهُ ... لِيَجْعَلَ مَا بَيْنِي وَمَا بَيْنَهُ سدا

المصدر : [ معجم السفر ص 34 ]

217- رضا الناس

قال "يونس بن عبد الأعلى": قال لي "الشافعي": يا أبا موسى, رضا الناس غايةٌ لا تُدرك, ما أقوله لك إلا نصحاً, ليس إلى السلامة من الناس سبيل, فانظر ما فيه صلاح نفسك فالزمه, ودَعْ الناس وما هم فيه.

المصدر : "مناقب الشافعي للأبري" [ص 90]:

قلت - رحم الله والدي-:
"رضا الناس غايةٌ لا تُدرك", ذكروه في كتب الأمثال, لابن سلام[ص 277], ولابن رفاعة الهاشمي[692], و"مجمع الأمثال"[1584], وقال: هذا المثل يروى في كلام أكثم بن صيفي
وقال في "كشف الخفاء"[1 / 494]: ليس بحديث، ورواه "الخطابي" في "العزلة" عن "أكثم بن صيفي" أنه قال، وزاد: "ولا يكره سخط من رضاه الجور", وقال "النجم": وذكر "أبو بكر بن العربي" في كتاب الزكاة من "عارضته": أن هذا القول مثل كان مبتذلًا في الألسنة وهو كلام ساقط، بل لرضا الناس غاية مدركة وهي: الحق, فمن طلبه من الناس فرضاه مُدْرَك, ومن طلب غير الحق فلا يُعتبر رضاه, قال: ولكن البَطَّالِين والمُقَصِّرِين إذا ضَيَّعُوا الحقوق فلامهم الناس قالوا: رضا الناس غاية لا تدرك، وقال "الزين العراقي": إنما يريد من أطلق ذلك أن إرضاء جميع الناس لا يُدرك؛ لأن المختصمين في شيء رضا أحدهما سخط الآخر, قال: فليست هذه الكلمة ساقطة, بل هي كلمة حق قالها "سفيان الثوري"، وزاد في "الحِلية" عنه: طلب الدنيا غاية لا تدرك, انتهى, وفي "ابن الغرس": قال "الفُضَيل": من عرف الناس استراح، أي: من عرف أنهم لا يَضُرُّونَ ولا ينفعون استراح

216- همة عالية خارقة

زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدايم بن نعمة المقدسي الصالحي الحنبلي، الكاتب المحدث المعمر، الخطيب [ت668 هـ]
كان يكتب خطا حسنا، ويكتب سريعا. فكتب ما لا يوصف كثرة من الكتب الكبار، والأجزاء المنثورة لنفسه وبالأجرة، حتى كان يكتب في اليوم إذا تفرغ تسعة كراريس أو أكثر، ويكتب مع اشتغاله بمصالحه الكراسين والثلاثة, وكتب " الخرقي " في ليلة واحدة, وكتب "تاريخ الشام" لابن عساكر مرتين, و "المغني" للشيخ "موفق الدين" مرات, وذكر: أنه كتب بيده ألفي مجلدة، وأنه لازم الكتابة أزيد من خمسين سنة.

المصدر : [ ذيل طبقات الحنابلة 4 / 98]

قلت - رحم الله والدي-:
سبحان الله ما أعظم خلقه وقدرته, "تاريخ ابن عساكر" طبع في "70" مجلدا يفني أحدنا عمره في قرائته, مع الراحة الكاملة والمكيفات والمبردات, وهذا "الإمام" ينسخه مرتين سوى ما ذكر مما تنوء بنسخه العصبة من الرجال الأقوياء, هذا مع صعوبة العيش في زمنهم وعدم تيسر وتوفر كثير من وسائل الراحة التي ننعم بها نحن
وإحدى نسختي "التاريخ" كتبها للمؤرخ المحدث "ابن العديم" صاحب "بغية الطلب" فقد ذكر في ترجمته [2 / 964] فقال: كان يورق بالأجرة, ويكتب سريعا، وكتب شيئا كثيرا، ولم يكن بخطه بأس, وكتب لي بخطه "تاريخ دمشق" للحافظ "أبي القاسم الدمشقي"، وكتاب "الذيل لأبي سعد السمعاني".اهـ
وقال أيضا:[ 2 / 965]: ذكر لي أنه نسخ بخطه ألفي مجلد، وقال لي: أنا أنسخ الى الآن وأطالع، وعمري إحدى وثمانون سنة، وكتبت أمس اثنتي عشرة ورقة، وأنا أشكر الله تعالى على ذلك.اهـ 
وممن نسخ الكثير وبرع في ذلك من المحدثين الإمام الحافظ الرحال أبو الفضل محمد بن طاهر بن القيسراني المقدسي الظاهري [ت507هـ], فقد ذكر "الذهبي" في "السير"[19 / 363]: قال السلفي: سمعت "محمد بن طاهر" يقول: كتبت "الصحيحين" و"سنن أبي داود" سبع مرات بالأجرة، وكتبت "سنن ابن ماجة" عشر مرات بالري.

215- حكم حفظ الشعر

قال "ابن الجوزي" رحمه الله عند شرحه لحديث: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا" :
هذا الحديث محمول على من جعل جميع شغله حفظ الشعر، فلم يحفظ شيئا من القرآن ولا من العلم، لأنه إذا امتلأ الجوف بالشيء لم يبق فيه سعة لغيره.
قال النضر بن شميل لم تمتلء أجوافنا من الشعر، فيها القرآن وغيره, قال: وهذا كان في الجاهلية، وأما اليوم فلا. وقال أحمد بن حنبل: أكره من الشعر الهجاء والرقيق الذي يشبب بالنساء، فأما الكلام الجاهلي فما أَنْفَعه.
قلت: فأما ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به " فإنه حديث باطل؛ لأن الكلبي لا يُوثَق به، وحِفْظُ بيت من ذلك يكفي في الذّم دون تعليق ذلك بملء الجوف.
والصحيح عندي ما ذكرته أولا، وأن المراد بامتلاء الجوف بالشعر حتى لا يكون لغيره موضع, وقد مدح رسول الله الشعر بقوله: " إن من الشعر حكمة " وكان يسمعه ويستنشده، وكان "أبو بكر" يقول الشعر، و"عمر" و"عثمان"، وكان "علي" أشعرهم
وقال حبيب بن أبي ثابت: كان "ابن عباس" يعجبه شعر "زهير" ويقضي له، وكان "معاوية" يعجبه شعر "عدي" ويقضي له، وكان "ابن الزبير" يعجبه شعر "عنترة" ويقضي له.
قال: وإنما اختار "ابن عباس" شعر "زهير" لأنه كان يختار من الشعر أكثره أمثالا, وأدله على العلم والخير, واختار "معاوية" شعر "عدي" لأنه كان كثير الأخبار. واختار "ابن الزبير" شعر "عنترة" لشجاعته.
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال: أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال: أخبرنا علي بن محمد المعدل قال: أخبرنا محمد بن عمرو الرزاز. قال: حدثنا إبراهيم بن الوليد قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا نوح بن قيس عن يونس بن مسلم عن وادع بن الأسود عن الشعبي قال:  ما أروي شيئا أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرا لا أعيد.
قلت: وما زال العلماء يقولون الشعر, ويحفظونه, ويسمعونه، وقد ذكرت من هذا ما يكفي في كتابي المسمى بـ: " إحكام الأشعار في أحكام الأشعار".


المصدر : [ كشف المشكل من حديث الصحيحين 1/ 250 ]

214- أسماء أسنان الإنسان

قال "ابن قتيبة": قال "أبو زيد": للإنسان أربع ثنايا, وأربع رباعيات، الواحدة رباعية مخففة, وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثنتا عشرة رحى، ثلاث في كل شق، وأربعة نواجذ وهي أقصاها. 
وقال "الأصمعي" مثل ذلك كله، إلا أنه جعل الأرحاء ثمانيا: أربعا من فوق, وأربعا من أسفل. 
و"الناجذ": ضرس الحلم، يقال: رجل منجذ: إذا أحكم الأمور، وذلك مأخوذ من الناجذ, والنواجذ للإنسان بمنزلة القارح من الفرس, وهي الأنياب من ذوات الخف. 
وقال "أبو بكر الأنباري": النواجذ: آخر الأضراس، واحدها نجذ، ولا تبدو إلا عند الشديد من الضحك، وفي الفم اثنان وثلاثون سنا: ثنيتان من فوق، وثنيتان من تحت، ورباعيتان من فوق، ورباعيتان من تحت، ونابان من فوق، ونابان من تحت، وضاحكان من فوق، وضاحكان من تحت، وثلاث أرحاء من فوق، وثلاث أرحاء من تحت في الجانب الأيمن، وفي الجانب الأيسر, وناجذان في الجانب الأيمن، وناجذان في الجانب الأيسر. ويقال لما بين الثنية والأضراس: العارض، قال جرير:

(أتذكر يوم تصقل عارضيها ...**************)

وقد رتبها بعض أهل اللغة, فقال: "الثنايا" أربع: اثنتان من فوق، واثنتان من تحت، ثم يليهن الرباعيتان: اثنتان من فوق، واثنتان من تحت, ثم يليهن "الأنياب" وهي أربع، ثم يليهن "الأضراس" وهي عشرون، من كل جانب من الفم خمسة من أسفل, وخمسة من فوق، منها "الضواحك" وهي أربعة أضراس تلي الأنياب، إلى جنب كل ناب من أسفل الفم وأعلاه ضاحك, ثم بعد الضواحك "الطواحن"، ويقال لها: "الأرحاء"، وهي اثنا عشر طاحنا من كل جانب ثلاثة، ثم يلي الطواحن "النواجذ"، وهي آخر الأسنان، من كل جانب من الفم, واحد من فوق, وواحد من أسفل.

المصدر: [ كشف المشكل من حديث الصحيحين 1/ 238 ]
قلت - رحم الله والدي-:
قال في "زاد المعاد"[ 1 / 175]: كان جُلُّ ضحِكِه -صلى الله عليه وسلم- التبسم، بل كله التبسم، فكان نِهَايَةُ ضحكه أن تبدو "نواجذه", وكان يضحك مما يضحك منه، وهو مما يتعجب من مثله, ويستغرب وقوعه ويستندر.اهـ وقد جمع الشيخ "أحمد بن الصديق الغماري" المغربي أحاديث ضحكه -صلى الله عليه وسلم- حتى بدو نواجده في "جزء" صغير سماه: "شوارق الأنوار المنيفة بظهورالنواجذ الشريفة", وهو مطبوع/ وهذا رابط تحميله

213- واعظ خليفة

دخل بعض الزهاد على "المنصور" فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيتُ في القبر لم تَبِت قبلها ليلة، واذكر ليلة تَمَخَّضُ عن يوم لا ليلة بعده, قال: فأفحم المنصور قوله, وأمر له بمال, فقال: لو احتجت إلى مالك لما وعظتك

المصدر : [ البداية والنهاية لابن كثير 10/ 131 ]

212- على الإسلام والسنة

قال "الأوزاعي": رأيت رب العزة في المنام , فقال: أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ , فقلت: بفضلك أي رب, ثم قلت: يا رب أمتني على الاسلام, فقال: وعلى السنة.

المصدر : [ البداية والنهاية لابن كثير 10/ 125 ]

211- رسالة في إنكار التأويل على ابن الجوزي "لأبي الفضل العلثي" رحمهما الله

أبو الفضل إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي، الزاهد القدوة [ت 634 هـ], كان قدوة صالحا زاهدا، فقيها عالما، أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، لا يخاف أحدا إلا الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم...أرسل رسالة طويلة إلى الشيخ "أبي الفرج بن الجوزي" بالإنكار عليه فيما يقع في كلامه من الميل إلى أهل التأويل يقول فيها:

من "عبيد الله إسحاق بن أحمد بن محمد بن غانم العلثي"، إلى "عبد الرحمن بن الجوزي"، حمانا الله وإياه من الاستكبار عن قبول النصائح، ووفقنا وإياه لإتباع السلف الصالح، وبصرنا بالسنة السنية، ولا حرمنا الاهتداء باللفظات النبوية، وأعاذنا من الابتداع من الشريعة المحمدية, فلا حاجة إلى ذلك, فقد تركنا على بيضاء نقية، وأكمل الله لنا الدين، وأغنانا عن آراء المتنطعين، ففي كتاب الله وسنة رسوله مقنع لكل من رغب أو رهب، ورزقنا الله الاعتقاد السليم، ولا حرمنا التوفيق، فإذا حرمه العبد لم ينفع التعليم, وعرفنا أقدار نفوسنا، وهدانا الصراط المستقيم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وفوق كل في علم عليم. وبعد حمد الله سبحانه، والصلاة على رسوله: فلا يخفى أن الدين النصيحة، خصوصا للمولى الكريم، والرب الرحيم, فكم قد زَلَّ قَلَم، وعَثَرَ قَدَم، وزَلَقَ مُتكلم، ولا يحيطون به علما, قال: عز من قائل: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير"
وأنت يا "عبد الرحمن"، فما يزال يَبْلُغُ عنك ويُسْمَعُ منك، ويُشَاهَدُ في كتبك المسموعة عليك، تذكر كثيرا ممن كان قبلك من العلماء بالخطأ، اعتقادا منك أنك تصدع بالحق من غير محاباة، ولا بد من الجريان في ميدان النصح, إما لتنتفع إن هداك الله، وإما لتركيب حجة الله عليك, ويَحْذَرَ الناسُ قولكَ الفاسد، ولا يَغُرُّكَ كثرةُ إطلاعك على العلوم, فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه لا فقه له، ورب بحرٍ كَدِرٍ ونهْرٍ صَافٍ، فلسْتَ بأعْلَمَ من الرسولِ، حيث قال له الإمام "عمر": " أتصلي على ابن أُبَيّ ؟ أنزل القرآن: "ولا تصل على أحد منهم", ولو كان لا ينكر من قَلَّ علمُهُ على من كَثُرَ عِلْمُهُ إذا لَتَعَطَّلَ الأمر بالمعروف، وصِرنا كبني إسرائيل, حيث قال تعالى: "كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه"، بل يُنْكِرُ المفضولُ على الفاضلِ, وينكر الفاجرُ على الوَلِيِّ، على تقدير معرفة الوَلِيِّ, وإلا "فابن التنقا" ليطلب و"ابن السمندل" ليجلب 
إلى أن قال: واعلم أنه قد كَثُرَ النكيرُ عليك من العلماء والفضلاء، والأخيار في الآفاق بمقالتك الفاسدة في الصفات, وقد أبانوا وَهَاء مقالتك، وحَكَوا عنك أنك أَبَيْتَ النصيحة، فعندك من الأقوال التي لا تليق بالسنة ما يضيق الوقت عن ذكرها
فذكر عنك: أنك ذكرت في الملائكة المقربين، الكرام الكاتبين، فصلا زعمت أنه مواعظ، وهو تشقيق وتفهيق، وتكلف بَشِعٌ، خلا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام السلف الصالح الذي لا يَخَالِفُ سنة، فعَمِدْتَ وجعلتها مناظرة معهم, فمن أَذِنَ لك في ذلك, وهم مُستَغْفِرون للذين آمنوا، ولا يستكبرون عن عبادة الله, وقد قَرَنَ شهادته بشهادتهم قبل أولى العلم, وما علينا كان الآدمي أفضل منهم أم لا، فتلك مسألة أخرى.
فشرعت تقول: إذا ثارت نار الحسد فمن يَطْفِيها ؟ وفي الغيبة ما فيها، مع كلام غث, أليس منا فلان؟ , ومنا فلان؟ ومنا الأنبياء والأولياء من فعل هذا من السلف قبلك؟ , ولو قال لك قائل من الملائكة: أليس منكم فرعون وهامان؟ , أليس منكم من ادعى الربوبية؟ , فعمن أخذت هذه الأقوال المُحْدَثة، والعبارات المُزَوَّقَة، التي لا طائل تحتها, وقد شَغَلْتَ بها الناس عن الاشتغال بالعلم النافع, أحدهم قد أُنْسِيَ القرآن وهو يُعِيُد "فصل الملائكة ومناظرتهم"، ويتكلم به في الآفاق, فأين الوعظ والتذكير من هذه الأقوال الشنيعة البشعة.
ثم تعرضت لصفات الخالق تعالى، كأنها صَدَرَتْ لا من صدر سَكَنَ فيه احتشام العلي العظيم، ولا أملاها قلب مليء بالهيبة والتعظيم، بل من واقعات النفوس البهرجية الزيوف, وزعمت أن طائفة من أهل السنة والأخيار تلقوها وما فهموا, وحاشاهم من ذلك, بل كفوا عن الثرثرة والتشدق، لا عجزا - بحمد الله - عن الجدال والخصام، ولا جهلا بطرق الكلام. وإنما أمسكوا عن الخوض في ذلك عن علم ودراية، لا عن جهل وعماية.
والعجب ممن ينتحل مذهب السلف، ولا يرى الخوض في الكلام, ثم يقدم على تفسير ما لم يَرَهُ أولا، ويقول: إذا قلنا كذا أدى إلى كذا، ويقيس ما ثبت من صفات الخالق على ما لم يثبت عنده, فهذا الذي نُهِيتَ عنه. 
وكيف تنقضُ عهدك وقولك بقول فلان وفلان من المتأخرين؟ , فلا تُشْمِتْ بنا المبتدعة, فيقولون: تنسبوننا إلى البدع, وأنتم أكثر بدعا منا، أفلا تنظرون إلى قول من اعتقدتم سلامة عَقْدِه، وتُثْبِتُونَ معرفته وفضله, كيف أقول ما لم يقل، فكيف يجوز أن تتبع المتكلمين في آرائهم، وتخوض مع الخائضين فيما خاضوا فيه، ثم تنكر عليهم, هذا من العجب العجيب, ولو أن مخلوقا وصف مخلوقا مثله بصفات من غير رؤية ولا خبر صادق لكان كاذبا في إخباره, فكيف تصفون الله سبحانه بشيء ما وقفتم على صحته، بل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات التي رَضِيَهَا لنفسه، وأخبر بها رسوله بنقل الثقات الأثبات، يُحْتَمَلُ، ويُحْتَمَلُ.
ثم لك في الكتاب الني أسميته: "الكشف لمشكل الصحيحين" مقالات عجيبة، تارة تحكيها عن "الخطابي" وغيره من المتأخرين، أطَّلَعَ هؤلاء على الغيب, وأنتم تقولون: لا يجوز التقليد في هذا، ثم ذكره فلان، ذكره "ابن عقيل"، فنريد الدليل من الذاكر أيضا، فهو مجرد دعوى، وليس الكلام في الله وصفاته بالهَيِّنِ ليُلْقَى إلى مَجَارِي الظنون 
إلى أن قال: إذا أردت: كان "ابن عقيل" العالم، وإذا أردت: صار لا يفهم، أَوْهَيْتَ مقالته لما أردت
ثم قال: وذكرت الكلام المحدث على الحديث، ثم قلت: والذي يقع لي, فبهذا تقدم على الله، وتقول: قال علماؤنا، والذي يقع لي, تتكلمون في الله عز وجل بواقعاتكم تخبرون عن صفاته, ثم ما كفاك حتى قلت: هذا من تحريف بعض الرواة, تَحَكُّماً من غير دليل, وما رويت عن ثقة آخر أنه قال: قد غيره الراوي فلا ينبغي بالرواة العدول: أنهم حَرَّفُوا، ولو جوزتم لهم الرواية بالمعنى، فهم أقرب إلى الإصابة منكم, وأهل البدع إذا كلما رويتم حديثا ينفرون منه، يقولون: يحتمل أنه من تغيير بعض الرواة, فإذا كان المذكور في الصحيح المنقول من تحريف بعض الرواة، فقولكم ورأيكم في هذا يحتمل أنه من رأى بعض الغُوَاة.
وتقول: قد "انزعج" الخطابي لهذه الألفاظ, فما الذي أزعجه دون غيره؟ , ونراك تبني شيئا ثم تَنْقُضُهُ، وتقول: قد قال فلان وفلان، وتنسب ذلك إلى إمامنا أحمد رضي الله عنه, ومذهبه معروف في السكوت عن مثل هذا، ولا يفسره، بل صحح الحديث، و[ منع ] من تأويله.
وكثير ممن أخذ عنك العلم إذا رجع إلى بيته علم بما في عيبته من العيب، وذم مقالتك وأبطلها, وقد سمعنا عنك ذلك من أعيان أصحابك المحبوبين عندك، الذين مدحتهم بالعلم، ولا غرض لهم فيك، بل أدوا النصيحة إلى عباد الله، ولك القول وضِدُّهُ منصوران, وكل ذلك بناء على الواقعات والخواطر.
وتَدَّعِي أن الأصحابَ خَلَّطُوا في الصفات، فقد قَبُحْتَ أكثر منهم، وما وَسِعَتْكَ السُنَّةُ, فاتق الله سبحانه. ولا تتكلم فيه برأيك فهذا خبر غيب، لا يُسْمَعُ إلا من الرسول المعصوم، فقد نصبتم حربا للأحاديث الصحيحة, والذين نقلوها نقلوا شرائع الإسلام, ثم لك قصيدة مسموعة عليك في سائر الآفاق، اعتقدها قوم، وماتوا بخلاف اعتقادك الآن فيما يبلغ عنك، وسُمِعَ منك, منها:

ولو رأيت النار هبت، فغدت ... تحرق أهل البغي والعناد
وكلما ألقى فيها حطمت ... وأهلكته، وهي في ازدياد
فيضع الجبار فيها قدما ... جلت عن التشبيه بالأجساد
فتنزوي من هيبته، وتمتلي ... فلو سمعت صوتها ينادي
حسبي حسبي، قد كفاني ما أرى ... من هيبة أذهبت اشتداد
فاحذر مقال مبتدع في قوله ... يروم تأويلا بكل [وادي]
فكيف هذه الأقوال: وما معناها؟ , فإنا نخاف أن تُحْدِثَ لنا قولا ثالثا، فيذهب الاعتقاد الأول باطلا, لقد آذيت عباد الله وأضللتهم، وصار شُغْلُكَ نَقْلُ الأقوال فحَسَبْ
و"ابن عقيل" سامحه الله، قد حكى عنه: أنه تاب بمحضر من علماء وقته, من مثل هذه الأقوال، بمدينة السلام عمرها الله بالإسلام والسنة, فهو بريء على هذا التقدير مما يوجد بخطه، أو يُنْسَب إليه من التأويلات، والأقوال المخالفة للكتاب والسنة.
وأنا وافدة الناس والعلماء والحفاظ إليك، فإما أن تَنْتَهِي عن هذه المقالات، وتَتُوبَ التوبةَ النصوح، كما تاب غيرك، وإلا كشفوا للناس أمرك، وسَيَّرُوا ذلك في البلاد, وبينوا وجه الأقوال الغثة، وهذا أمر تُشُووِرَ فيه، وقُضِيَ بليل، والأرض لا تخلو من قائم لله بحجة، والجرح لا شك مقدم على التعديل، والله على ما نقول وكيل، وقد أعذر من أنذر.
وإذا تأولت الصفات على اللغة، وسَوَّغْتَهُ لنفسك، وأَبَيْتَ النصيحةَ، فليس هو مذهب الإمام الكبير "أحمد بن حنبل" قدس الله روحه، فلا يُمْكِنُك الانتساب إليه بهذا، فاخْتَرْ لنفسِك مذهبا، إن مكنت من ذلك، وما زال أصحابنا يجهرون بصريح الحق في كل وقت, ولو ضربوا بالسيوف، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون بشناعة مُشَنِّع، ولا كَذِبِ كَاذِب، ولهم من الإسم العَذْبِ الهَنِيِّ، وترَكِهِم الدُّنيا, وإعراضهم عنها اشتغالا بالآخرة ما هو مَعلوم مَعرُوف, ولقد سَوَّدْتَ وُجُوهَنا بمقالَتِك الفاسدة، وانفرادِك بنفسِك، كأنك جَبَّارٌ من الجبابرة، ولا كَرَامَةَ لك ولا نُعْمَى، ولا نُمَكّنُّكَ من الجهرِ بمخالفةِ السّنةِ، ولو اسْتُقْبِلَ من الرأي ما اسْتُدْبِرَ: لم يُحْكَ عنك كلام في السهل ولا في الجبل، ولكن قَدَّرَ اللهُ وما شاءَ فَعَل، بيننا وبينَكَ كتابُ الله وسنةُ رسوله، قال الله تعالى: " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ", ولم يقل: إلى "ابن الجوزي".
وترى كل من أَنْكَرَ عليكَ نَسَبْتَهُ إلى الجهلِ، ففضلُ اللهِ أُوِتِيتَهُ وحدك؟ , وإذا جَهَّلْتَ الناسَ فمن يَشْهَدُ لك أنك عالم؟ , ومن أجهلُ منكَ حيث لا تصغي إلى نصيحة ناصح ؟ , وتقول: من كان فلان، ومن كان فلان من الأئمة الذين وصل العلم إليك عنهم، من أنت إذا ؟ , فلقد استراحَ من خافَ مقامَ رَبِّه، وأَحْجَمَ عن الخوضِ فيما لا يعلم لئلا يندم, فانْتَبِه يا مسكينُ قبل المماتِ، وحَسِّنِ القَوْلَ والعملَ، فقد قَرُبَ الأجلُ، لِله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيمِ

المصدر : [ ذيل طبقات الحنابلة 3 / 445 ]

قلت - رحم الله والدي-: 
وافق كثير من الأئمة الأعلام "العلثي" رحمه الله في إنكاره التأويل على "ابن الجوزي", فهذا الحافظ الذهبي يقول في "السير"[21 / 368]: ليته لم يخض في التأويل، ولا خالف إمامه, وقال أيضا [21 / 381]: كتب إلي أبو بكر بن طرخان، أخبرنا الإمام "موفق الدين"، قال: "ابن الجوزي" إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة، وكان صاحب فنون، كان يصنف في الفقه، ويدرس، وكان حافظا للحديث، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة، ولا طريقته فيها، وكانت العامة يعظمونه، وكانت تنفلت منه في بعض الأوقات كلمات تنكر عليه في السنة، فيُسْتَفْتَى عليه فيها، ويَضِيقُ صدرُهُ من أجلها, وللشيخ "أحمد بن عطية الزهراني" رسالة ماجستير بعنوان: "ابن الجوزي بين التأويل والتفويض" / يمكنكم تحميلها من الرابط التالي
ترجمة الإمام "أبي الفضل العلثي" رحمه الله في "ذيل طبقات الحنابلة"[3 / 445], "المقصد الارشد"[1 / 246], "شذرات الذهب"[6 / 11]: قال ابن رجب : أنكر على الخليفة "الناصر" فمن دونه, وواجه الخليفة "الناصر" وصَدَعَهُ بالحق, قال "ناصح الدين بن الحنبلي" وقرأته بخطه: هو اليوم شيخ العراق، والقائم بالإنكار على الفقهاء والفقراء وغيرهم فيما ترخصوا فيه, وقال "المنذري": قيل: إنه لم يكن في زمانه أكثر إنكارا للمنكر منه، وحُبِسَ على ذلك مدة, قال "ابن رجبّ: وله رسائل كثيرة إلى الأعيان بالإنكار عليهم والنصح لهم, ورأيت بخطه كتابا أرسله الى الخليفة ببغداد, وأرسل أيضا إلى الشيخ "علي بن إدريس" الزاهد صاحب الشيخ "عبد القادر" رسالة طويلة، تتضمن إنكار الرقص والسماع, والمبالغة في ذلك, وله في معنى ذلك عدة رسائل إلى غير واحد.

الأحد، 27 يناير 2013

210- غض البصر


[ قال ابن الجوزي رحمه الله ]: أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي, قالا أنبأنا حمد بن أحمد , قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله, قال حدثنا أحمد بن إسحاق, قال حدثنا أحمد بن الحسين الأنصاري, قال حدثنا أبو عصمة قال:
كنت عند "ذي النون" وبين يديه فتى حَسَن يُمْلِي عليه شيئا, فمرت امرأة ذات حُسْن وجمال وخلق, فجعل الفتى يُسَاِرق النظر إليها, ففَطِنَ "ذو النون" فلوى عُنُق الفتى, وأنشأ يقول:

دَعِ المَصُوغَات من ماء ومن طين *** واشغل هَوَاكَ بحُورٍ خُرَّدٍ عِين

المصدر : [ ذم الهوى 1 / 84 ]